ابن عربي
471
مجموعه رسائل ابن عربي
وقد ثبت عن الإمام مالك « 1 » ( رحمه اللّه ) أنه سئل : كيف استوى ؟ فقال : « كيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » . فقوله : « كيف ، غير معقول » أي كيف من صفات الحوادث ، وكل ما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات اللّه تعالى ينافي ما يقتضيه العقل ، فيجزم بنفيه عن اللّه سبحانه . قوله : « والاستواء غير مجهول » أي : أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة ، والإيمان به على الوجه اللائق به تعالى واجب ، لأنه من الإيمان باللّه وبكتبه ، « والسؤال عنه بدعة » أي حادث ، لأن الصحابة ( رضي اللّه عنهم ) كانوا عالمين بمعناه اللائق بحسب اللغة ، فلم يحتاجوا للسؤال عنه ، فلما جاء من لم يحط بأوضاع لغتهم ، ولا له نور كنورهم يهديه لصفات ربه ، شرع يسأل عن ذلك ، فكان سؤاله سببا في اشتباهه على الناس ، وزيغهم عن المراد ، وتعين على العلماء حينئذ ألا يهملوا البيان . قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ولابد في إيضاح البيان من زيادة ، فنقول : قد قررنا أن الاستواء مشتق من السواء ، وأصله : العدل ، وحينئذ فالإستواء المنسوب إلى ربنا تعالى في كتابه بمعنى : أعتدل ، أي قام بالعدل ، وأصله من قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه ، ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة ، للتعرف لخلقته بوحدانيته ، ولذلك قرنه بقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ والاستواء المذكور في كتابه : إستواءان استواء سماوي ، واستواء عرشي : فالأول معدي بالي ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وقال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ومعناه - واللّه أعلم - : أعتدل ، أي قام بقسطه وتسويته إلى السماء ، فسواهن سبع سماوات ، ونبه على أن إستواءه هذا هو قيامه بميزان الحكمة ، وتسويته بقوله أولا
--> ( 1 ) إمام دار الهجرة [ أبو عبد اللّه ] مالك بن أنس الأصبحي ، جده أبو عامر ، صحابي جليل ، شهد المغازي كلها خلا بدرا ، وابنه مالك جد مالك ، من كبار التابعين ، وأما الإمام فولد سنة ثلاث وتسعين ، ومات سنة تسع وستين ومائة ، ا ه مخيون .